محمد أبو زهرة
1198
زهرة التفاسير
غير أب ؛ ولذا قال الزمخشري في هذا : « قال اللّه تعالى : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ تعظيما لموضوعها . . ومعناه واللّه أعلم بالشئ الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور ، وأن يجعله وولده آية للعالمين ، وهي جاهلة بذلك لا تعلم عنه شيئا » . وقوله تعالى : وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى إما من كلام اللّه فيكون في الجملة المعترضة ، ويكون المعنى وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي أعطيت في الشرف والمكانة والعبادة بل هو دونها ، وهذا هو الظاهر ؛ وإما أن يكون من كلامها وهو غير الظاهر ؛ إذ يكون الأولى حينئذ التعبير بقولها : وليس الأنثى كالذكر لأنها ترى الذكر أفضل . ومع أن هذه التّقيّة تتحسر على أن مولودها لم يكن ذكرا كما قدرت ؛ ليكون في خدمة بيت اللّه تعالى كما نوت ، فقد رضيت بما وهب اللّه تعالى ، وضرعت إليه أن يهديها ولذا قالت : وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فهي قد اختارت الاسم راضية بما أعطيت ، قال الزمخشري في الكشاف : « وإن اختيار الاسم فيه تقرب إلى اللّه تعالى ؛ لأن مريم في لغتهم معناها العابدة والخادم ، فأرادت بذلك التقرب إلى اللّه ، والطلب إليه أن يعصمها ، حتى يكون فعلها مطابقا لاسمها ، وأن يصدق فيها » . ولذا طلبت إلى ربها أن يعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم . ومعنى الإعاذة أن تكون في ملجأ من اللّه تعالى يعصمها من الشيطان ؛ وذلك لأن التعوذ الالتجاء . فمعنى أعوذ باللّه ألجأ إليه ، وأتخذ منه معاذا ؛ ومعنى أعذته باللّه من الشيطان جعلت اللّه تعالى معاذا له منه ، وهذه الإعاذة كانت دعاء من اللّه تعالى ، فكان هذا الدعاء عبادة أخرى . وهكذا اقترنت ولادة مريم وحملها من قبل بعبادات متضافرة متوالية مستمرة ، وضراعة تدل على خلاص النفس وإسلام الوجه لله تعالى . والشيطان : ما يوسوس في النفس ، وهو يجرى من الإنسان مجرى الدم . والرجيم أي المطرود المنبوذ من رحمة اللّه من وقت قال له رب البرية : قالَ